استطلاعات
ما رأيك بالموقع ؟
  • ممتاز
  • عادي
  • يحتاج إلى تطوير
النتائج
الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان

  بِسْمِ اللّهِ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى.و (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا)الكهف- آية 1، والصّلاة والسّلام على الحبيب المصطفى، أفضل من تلقى القـرءان وبلّغه، القائلُ:«من دلّ على خير فله مثلُ أجرِ فاعلِهِ » وعلى آلـه وصحبه،الحائزين بتجويد القـرءان وضبط ألفاظه، من الشّرف أعلاه، ومن الفخر أعظمه وأسناه.

(رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ)آل عمران، آية 8 ، (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي)طه، آية 25، 26، 27،28.
وبـعـــد:
في الصدر الأول للإسلام استغنى المسلمون بالقـرءان فأغناهم، واكتفوا به فكفاهم؛ لا يأخذون من غيره ولا يهتدون إلا بهديه. يقرؤون كلماته ويتدبرون آياته.وفي هذه الأزمان ومنذ أزمان، تولى المسلمون عن القـرءان، تركوه ونسوا اليوم الذي تركوه فيه. أساؤوا صحبته وأَوْسعوها جفاء وعقوقا. فلم يعد بينهم وبين القـرءان طريق يصلهم به، إلاّ أنّه كلام يرددونه على أفواههم كما تُردّد الأدعية والتعاويذ !! تبلّد لديهم الإحسـاس بجلاله وبعظيم مقامه، حتى أمسى يمر على الآذان فلا يُخلّف في القلب أثرا، ولا يحدث في النّفس ذكرا. أصبح القـرءان يعيش فيهم غريبا لا يلتفتون إليه ولا يحرصون عليه. تراخت ألسنتهم حتّى عن التّمسك بإقامة حروفه عند تَرداده ، ومراعاة حسن أدائه بتجويد ألفاظه.
زهدوا في ما حمل إليهم من هدى وصلاح. وولّوْا وجوههم إلى ما أخرجت الأرض من ضلالات؛ فقد هجر المسلمون أخذ إسلامهم من القرءان -كما أُنزل على نبيهم- ومن السنّة المبيِّنةِ له بالشّرح والتّطبيق. وأخذوا عقائدهم وشرائعهم عن كتب لا تقوم بها حجةُ الله تعالى على البشر، ظنا منهم أنها تُغنيهم.
فاستحوذ عليهم الجهل، وفشا فيهم التّخاذل والتواكل، وعَزَلوا بذلك أنفسَهم من قيادة ركب الحياة، وأخلَوْا مقامهم الذي رفعهم إليه القـرءان في وعد الله بقوله سبحانه:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَـاتِ لَيَسْتَـخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَـفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِـمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُـمُ الَّذِي ارْتَضَـى لَهُمْ)النّور- آية 55. حتى صاروا حجةً لأمم تعاديهم بما لو وجّهوه إلى الجبـال لاندكّت، ويقولون أنّه لا خير فيهم ولا في كتابهـم.
   هذا وإنّ انقطاع المسلم عن الاتّصال بكـلام ربّه الاتّصال المباشر، أورثه عدم وضوح المعالم والحدود التي بها يعـرف وجهة طريقه في الحيـاة؛ إذ يلقاها بنفـس منقسمة وشخصيـة مزدوجة. فالمسلم يلتقي كتاب الله – ولو على أزمان متباعدة- فيهفو قلبُه للإسـلام وتتحرك نوازُعه لشريعـة الإسـلام، ثم يلقى الحيـاة التي يحياهـا ويتقلـّب فيها، وهو بعيد كل البعـد عن القـرءان، كأن لم يعرف القـرءان ولم يعرفه القـرءان. فأيّ حال تلك الحـال؟! إنها جفـوة بين المسلميـن وبين القـرءان، جعلت كلَّ حظّهم من كـلام ربهم حظَّهـم من مخلفـات آبائهـم وأجدادهم.
فما فتـن الشيطان هذه الأمـة بشيء كما فتنهم بتزيينـه الإعراضَ عن القـرءان. وقـد حذّر الله من هذا الإعراضِ وآثاره الدنيوية، ونبّه إلى عواقبه الأخرويّة في قوله سبحانه: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيـرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْـكَ آيَاتـُنَا فَنَسِيتـَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)طه-آية 124، 125.
فالأمّة ترقى معارج المجد بقدر حرصها على التّمسك بالقـرءان والذّبّ عنه، وتنحط عنها بقدر ما تفرّط فيه وتتهاون في حقّه، وتستخفّ بشأنه. وتاريخ الأمّة مع القـرءان مقدّر بهذا التّقدير. والمسلم الذي لم يَعِ هذا عن كلام الله، فليعلم أنّه ليس في شيء من كلام الله.
ولن يعود للمسلمين مجدُهم وعزُّهم إلا إذا عادوا إلى هدايـة القـرءان، تأسيا بالصحابة الكـرام، الذين كانوا يجلّونه، فيُجوِّدون حروفَه وألفاظَـه، ويتدبّرون معانيه وآياته. فقلّما يقرؤه أحدٌ كما كانوا يقرؤون، إلا ويهتدي به كما كانوا يهتدون.
  وقد نبّه الله أمّةَ القـرءان إلى شرف كتابه المجيدِ وعظيم شأنه، ففيه شرفهم ومجدهم. قال سبحانه: ( لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ).
 ومجد الأمم في كرامتها، والكرامة الإنسانية قوام وجود الإنسان، وأساس حريته أفرادا وشعوبا، فهي عماد حقوقه الأساسية ودليلُ إنسانيته، لذلك كانت وما تزال غاية جميع القوانين والدساتير الديمقراطية التي غرضها الأساسي هو حفظ حقوق الإنسان وصيانة مصالحه، -وهو تحديدا المواطن- غيرَ أنه كثيرا ما تنحرف هذه القوانينُ وهذه الدساتيرُ عن الغاية المنشودة، فتقتصر على صيانة مصالح فئة حاكمة، أو جماعة معيَّنة ولو على حساب الآخرين ظلما وعدوانا. وهذا ما يدفع الشعوب إلى العصيان والتمرد على هذه القوانين والدساتير، ولا يبق لها خيارٌ غيرُ إعلانِ إرادة الشعبِ إسقاط النظام، واسترداد العزة والكرامة وهو ما وقع في هذا الزمانِ وهذا المكانِ وأعني منذ عام في وطننا العزيز تونس ومن ورائه بقية الوطن العربي المسلم.
غير أن حقوق الإنسان في الإسلام تتميز بما يكفل للإنسان الحماية من الانزلاق في الحيف والظلم بشتى أنواعه، وعلى اختلاف ألوانه، وأشكاله. وبيان ذلك فيما يلي:
 

الكرامة منحة إلاهية :

يقول تعالى في محكم التنزيل:(ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) الاسراء -آية 70
فالكرامة والحرية والمساواة منحة إلاهية من خالق الإنسان عز وجل:(ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)  الملك- آية 14
فهو وحده خلق الإنسان وهو وحده يعلم ما يصلحه وهو وحده من ضبطله واجباته وحفظ له حقوقه وكرّمه بتشريع الأحكام، تفضلا منه ومنة فلم يدع
ذلك لمخلوق كائنا من كان ليتسلط ويتحكم بخلقه: (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)   الأعراف- آية 54
ثم إنّ المتأمل في قصة بدء خلق الإنسان يلاحظ أن هذا الخلق  تقدمه إعلان إلهي عظيم وهذا الإعلان يتضمن أساسا إعلانا عن أهم القضايا الكبرى التي ستشغل الحيز المكاني والزماني في حياة هذا الكائن الجديد على اختلاف مراحلها ألا وهي:  الكرامة والحرية والمساواة
إن هذا التكريم الإلهي للإنسـان هو المقوّم الأساسي الذي تقوم عليه حقـوق الإنسـان في الإسلام فقد خلـق الإنسان في أحسن صورة يقول عز وجـل: (الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين) غافر/64
ويقول أيضا:(يا أيها الإنسان ماغرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك)    الإنفطار- آية 7
ثم أمر الملائكة بالسجود له سجود تحية وتكريم: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) الحجر- آية 29
وسخر له ما في السماوات والأرض:(ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير)  لقمان- آية 20
ثم أرسل له الرسل وأنزل عليه الكتب وشرع له الأحكام التي تفصّل له أمور دينه ودنياه، وألزم المسلمين بالتقيد بها، (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة/ 38 
وقال عز وجل:(تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من  تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم)النساء- آية 13
ولكن كيف تُفعَّل حقوقُ الإنسان على أرض الواقع في سائر مجالات حياة الإنسان؟
 

المفعِّلُ الوحيد عقيدةُ التوحيد:

من أكبرِ المعضلات وأوكدِ المهمات، تفعيلُ القانون وإنفاذُ القرارات، فسهل يسير سَنُّ القوانين ووضع الدساتير، ولكنْ، الصعب العسير الالزام والالتزام بها  وهو ما يصْدق على ميثاق حقوق الإنسان  الذي هو في أمَسّ الحاجة للتفعيل - وهذا مما لا يختلف فيه اثنان-
غيرَ أن هذه المعضلةَ غيرُ مطروحةٍ في شريعةِ الإسلام عامّة، وفي باب حقوق الإنسان خاصة، لأنها شريعةٌ قائمةٌ على عقيدة التوحيد؛ فالمشرّعُ هو الله، وهو وحدُه له الحاكميةُ المطلقة. ومن مقتضيات الإيمان بالله ورسوله الطاعةُ لله ورسوله. فما قرره الله - جل في علاه- من تشريعات وأحكام  هو الأساسُ في حقوق الإنسان، ومن منطلق العبوديةِ الصحيحةِ لله تعالى تُصان حقوقُ الإنسـان و تفعَّل في واقع الإنسان، فمِن واجبِ المؤمنِ الملتزمِ بهدْيِ نبيه صلى الله عليه و سلم والعابدِ لربه  أن يتعبَّد الله بحفظِ حقوقِ خلقِ الله.
 

شريعة الإسلام ضامنُ حقوقِ الإنسان:

 إن عقيدةَ التوحيد هي النورُ الهادي والنبعُ الصافي لهذه الحقوق، وذلك لأن شهادة (( لا إله إلا الله )) هي إعلان عن كسر قيودِ كلِّ أشكال العبودية الذليلة والمقيتة... بعبارة أخرى: هي إعلان تحرّر وانطلاق في مرتع حرياتٍ منضبطةٍ  لا يحُدُّها إلا ضامن حقوقِ الإنسان، ألا وهي شريعة الإسلام!!
فما قررته شريعة الإسلام في منظومة حقوق الإنسان، ينسجم مع فطرة الإنسان وهي العبودية لله وحده: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون)الروم/30
فالإسلام دين الفطرة، دين عقيدةٍ وشريعةٍ حُمّل أمانةَ تبليغِها وبيانها الحبيبُ المصطفى والنبي المجتبى - صلوا عليه وسلموا تسليما- بعثه ربُّه رحمة للناس كآفّة؛رحمة لكل البشر، على اختلاف أجناسهم، وألوانهم ولغاتهم:(وما أرسلناك إلا كآفّة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون)سبأ/ 28 > 
(قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا، الذي له ملك السماوات والأرض، لا إله إلا هو يحيي ويميت، فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي، الذي يؤمن بالله وكلماته، واتبعوه لعلكم تهتدون)الأعراف- آية158
ومن هنا كانت شريعةُ الإسلام-ولا تزال- شريعةَ الإنسانية جمعاء، ترعى مصالح العباد وتحفظُ حقوقَهم.
يقول تعالى:(يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون)البقرة/21
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)  الحجرات- آية 13
فالناس كلهم عيال الله يتفيؤون ظلالَ العبودية لله، وفي ظلال العبودية  يتساوى جميعُ البشر، علِم ذلك من علِمه، وجهِله من جهِله.
فشهادةُ ((لا إله إلا الله)) تلزِم كلَّ من نطق بها لسانُه، واعتقدها قلبُه، أن يتقيّد بشريعة الله وهدْي رسول الله، وبذلك تعيّن عليه أن يحفظ حق أخيه الإنسان كائنا من كان. فكيف يُخشى بعد ذلك على حقوق الإنسان من شريعة الإسلام، وهي من أسست لكل ما يحفظ كرامة الإنسان؟
أعلت شريعة الإسلام من قدر الإنسان فلم تقف عند مرتبة الحقوق وإنما بلغت بها مرتبة «الضرورات الإنسانية الواجبة» فهذه الشريعة تحقق مصالح الناس، بل ضرورات حياتهم، وتحقيق هذه المصالح الضرورية هي مقاصد الشريعة يقول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور:  مقصد الشريعة من التشريع حفظ نظام العالم وضبط  تصرف الناس فيه على وجه يعصم من التفاسد والتهالك. وذلك إنما يكون بتحصيل المصالح واجتناب المفاسد، على حسَب ما يتحقق به معنى المصلحة والمفسدة. والإمام الغزالي(450- 555 هـ /١٠٥٨ - ١١١١م)  يعبر عن هذه الحقيقة الإسلامية عندما يقول: »إن نظام الدين لايحصل إلا بنظام الدنيا .. فنظام الدين، بالمعرفة والعبادة، لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن، وبقاء الحياة، وسلامة قدر الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن .. فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهَمَّات الضرورية،وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة وطلب قوته من وجوه الغلبة،متى يتفرغ للعلم والعمل، وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة؟ فإذن: إن نظام الدنيا،أعني مقادير الحاجة شرط لنظام الدين..
ولكن مصالح الإنسان مراتب، فهي متفاوتة؛ ليست على درجة واحدة من الأهمية والخطورة.  وقد قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام: مصالحُ ضرورِيّة، ومصالحُ حاجِيّة، ومصالح تحسينية.و هذه المصالح آخذ بعضها برقاب بعض حيث تجب المحافظة على المقاصد الحاجية والتحسينية لأن أحكام الشرع كالعِقد، إذا تفكك تناثرت حباته، وانفرط نظمه، يقول العز بن عبد السلام(660هـ):طلبُ الشّارع لتحصيل أعلى الطاعات كطلبه لتحصيل أدناها في الحد، والحقيقة، كما أن طلبَه لدفع أعظم المعاصي كطلبه لدفع أدناها، إذ لا تفاوت بين طلبٍ وطلب
وإليك تعريف هذه المصالح، مرتبة ترتيبا تصاعديا: (من المهم إلى الأهم ).
  • أما المصالحُ التحسينية: فيقول فيها الشيخ ابن عاشور: هي عندي ما كان بها كمال حال الأمة في نظامها حتى تعيشَ آمنة مطمئنة ولها بهجةُ منظرِ المجتمع في مرأى بقية الأمم. حتى تكون الأمةَ الإسلامية َمرغوبا في الاندماج فيها أو في التقرب منها.
  • أما المصالحُ الحاجية: فهي وسيلةٌ مكمّلةٌ للمصالح الضرورية يقول الإمام الشّاطبي: هو ما يُفتقر إليه من حيث التوسعة، ورفعُ الحرج، فلو لم يراع، دخل على المكلَّفين الحرجُ والمشقةُ، ولكنه لا يبلُغ مبلَغ الفساد في المصالح العامة فالنكـاح الشرعي من قبيل المصالح الحاجيـة، وكذلك معظم قِسْم الْمُبـاح في المعاملات. ويقول الشيخُ ابن عاشـور: وعناية الشريعة بالحاجي تقْرُب من عنايتهـا بالضـروري، ولذلك رتَّبـتِ الحدَّ على تفويت بعض أنواعه، كحد القـذف
  •  أما المصالحُ الضرورية: فهي تتعلق بوجود الإنسـان ومقومات حياتـه الدينيـة والدنيوية، فإن فُقدت هذه المصالحُ الضرورية، انهارت حياتُه واختـل نظامُهـا وضاعت آخرته وبُشّر بخرابها. وأحوال الأمة تصير شبيهةً بأحوال الأنعام، بحيث لا تكونُ على الحالة التي أرادهـا الشارع منهـا. وقد يفضي بعـضُ ذلك إلى الاضمحلال الآجل بتفاني بعضهـا ببعض، أو بتسلط العدو عليها، إذا كانـت بمرصد من الأمم المعادية لها أو الطامعة في الاستيلاء عليها... وهذه الضروريات خمسة؛ أحصاها العلماء،كابن الحاجب والقرافي والشاطبي ومنهم حجةُ الإسلام الغزالي في كتابه المستصفى حيث  قال: ومقصود الشّرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكلُّ ما يتضمَّنُ حفظَ هذه الأصولِ الخمسِة فهو مصلحة، وكل ما يفوّت هذه الأصولِ فهو مفسدة، ودفعُها مصلحة... ثم يقول: و تحريم تفويت هذه الأمور الخمسة والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل، وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق ولذا لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر، والقتل، والزنى، والسرقة، وشرب الخمر. وقد أشارت إلى هذه الضرورياتُ الخمسة الآية الكريمة: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصينك في معروف فبايعهن، واستغفر لهن الله، إن الله غفور رحيم)الممتحنة- آية12  وبمثل ما نزل في المؤمنات كان الرسول صلى الله عليه و سلم يأخذ البيعة على الرجال.
إن هذه الضروريات هي مَناطُ التكليف، متى ما افتقدها الإنسان افتقد التكليف فصلاح أمر الدين مترتب على صلاح أمر الدنيا، لذلك أوْلت الشريعةُ الإسلاميةُ هذه الضروراتِ الإنسانية العنايةَ الفائقةَ.
 يقول المفكر الإسلامي المعاصر محمد عمارة، في كتابه "الإسلام وحقوق الإنسان" تحت عنوان الضرورات الإنسانية الواجبة:«فالمأكل والملبس والمسكن.. والأمن.. والحرية في الفكر والاعتقاد والتعبير.. والعلم والتعليم.. والمشاركة في صياغة النظام العام للمجتمع والمراقبة والمحاسبة لأولياء الأمور .. والثورة لتغيير نظم الضعف أوالجور والفسق والفساد..الخ.. كل هذه الأمور، هي في نظر الإسلام ليست فقط   «حقوقا» للإنسان من حقه أن يطلبها ويسعى في سبيلها ويتمسك بالحصول عليها، ويحرم صده عن طلبها.. وإنما هي «ضرورات واجبة» لهذاالإنسان،بل إنها «واجبات»  عليه أيضا ! إنها ليست مجردَ «حقوق» ، من حق الفرد أو الجماعة أن يتنازل عنها أو عن بعضها.. إنما هي «ضرورات إنسانية» -فرديةكانت أو اجتماعية -ولاسبيل إلى «حياة » الإنسان بدونها،حياة تستحق معنى  الحياة .. »
 

الضرورة الأولى حفظ الدين:

ثبت مما تقدم أن ما جعلته المواثيق الدولية في الحضارات الأخرى حقوقا للإنسان جعلته الشريعة الإسلامية ضرورات واجبة يتمتع بها الإنسان.
فهي ليست مجرد حقوق وإنما هي ضرورات واجبة.  والتدين أو جوهر الإيمان قائم على تمتع الإنسان بهذه الضرورات التي أوجبها الإسلام.
يقول محمد عمارة:«..إن الإسلام ليبلغ في تقديس هذه «الضرورات الإنسانية الواجبة» إلى الحد الذي يراها الأساس الذي يستحيل قيام« الدين» بدون توفرها للإنسان .. فعليها يتوقف «الإيمان» ومن ثم «التدين» بالدين!..»
  1. حرّية التدين والاعتقـاد:
  2. نص القرآن على حرية التدين والاعتقاد قال تعالى: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا  مؤمنين)يونس/99 

    ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)الكهف/29

    ومع التخيير أرشد إلى اتباع دين الحق فحرية الاعتقاد مكفولة للمسلمين قـال تعـالى: (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدّين القيّـم)لروم/30

    ثم منع الإكراه على الدين ثانيا: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ،فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها)البقرة/256.

    هذه الآية دلت على أن الحق تميز عن الضلالة وأن الإسلام دين الحق وأن الكفر بأنواعه باطل ولكن مع ذلك فهو يوجه النبي صلى الله عليه و سلم، مبلّغ الحق والهادي إلى الخير ومن ورث هديه من أمته بقوله سبحانه: (فذكّر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر)الغاشية/21-2

    وقال عز وجل: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء)البقرة/272

    والتدين في الإسلام مرتبط بالعقل والعلم، المكرم بهما الإنسان، لذلك حذر القرآن من الضلال فقال سبحانه: (قلِ انْظُرُوا ماذا في السماوات والأرض، وما تغني الآياتُ والنُّذرُ عن قوم لا يؤمنون)يونس/ 101

     

  3. القسط والبر قوام التعامل مع غير المسلمين:
  4. المسلم مأمور شرعا باحترام ديانة الآخر، واجتناب المجادلة في عقيدته إلا بالتي هي أحسن اجتنابا للشحناء والضغينة، والأحقاد الطائفية، والعصبية القومية أو الفكرية، وتحديدا أهل الكتاب، فيقول تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون)العنكبوت/46
    والقسط والبر قوام التعامل مع الناس جميعا وهو مجامع مكارم الأخلاق، إلا إذا أظهروا العداء بالقتال والحرب والاضطهاد.
    وفي هذا الإطار وضعت الشريعة الإسلامية أسس العلاقات مع غير المسلمين فقال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون)الممتحنة/ 8-9
     
  5. حق المواطنة مكفول لأهل الكتاب:
  6. لقد خصت الشريعة الإسلامية اليهود والنصارى وكذلك المجوس وكل من قامَ أصلُ دينه على كتاب سماوي- وإن حُرِّف- خصهم الإسلام بأحكام منها ما تعلّق بالذبائح والزواج، قال تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان) المائدة/5
     وكفل لهم حق المواطنة إذا كانوا يقيمون في دار الإسلام؛  فهم "أهل الذّمة"  في ذمة رسول الله وذمة المسلمين. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:(ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة)
    فهم ينعمون بالأمان تحت ظل دولة الإسلام، مقابل دفع مبلغ مالي زهيد، يعفى منه الفقير والعاجز الضعيف، مقابل ارتفاقهم وانتفاعهم بالمرافق العامة للدولة وإعطائهم مثل ما للمسلمين من حقوق، ولهذا قال علي رضي الله عنه: ""إنـما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا"..
    وهي كما يرى محمد حسين الذهبي: ((في مقابل ما فرض على المسلمين من الزكاة التي هي عبادة لا تصح من الكافر وهذا يحقق المساواة بين الفريقين في بذل جزء من أموالهما لتنفق في مصارفها المشروعة التي منها أرزاق الجند و مرافق الدولة))  
     
  7. تحريم الردة إزاء حرية الاعتقاد:
  8. بما أن الإسلام لا يكره أحدا على اعتناقه والدخول فيه، فإنه يترتب على هذه الحرية في التدين والاعتقاد مسألة هامة هي في الحقيقة فرع منها وهي تحريم الردة يقول تعالى:(ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولـئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولـئك أصحاب النار هم فيها خالدون)البقرة/ 217 
    إذ يتعين على المسلم الثبات على دينه بعد أن اعترف بوحدانية الله وصدْق نبيه، وأقر بأن ما جاء به حق، وحصل ذلك منه عن قناعة ورضا، بغير إكراه،  فإن ارتد يعتبر ذلك جريمة وخيانة في حق الأمة، وعبثا بمقدساتها  وخروجا عن النظام العام للدولة التي تحميه وترعاه، فيستتاب ويناقش في شبهته حتى تزال عنه، فإن أصر يقتل حدا لقوله تعالى: (من بدل دينه فاقتلوه).
 

 الضرورة الثانية حفظ النفس:

النفس البشرية مقدسة في الشريعة الإسلامية باعتبارها هبة من الله قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في حَجّة الوداع: (إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا).
 فلا يجوز إزهاق النفس الإنسانية إلا بموجب شرعي، يقول رب العزة: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)الإسراء /33
فحق الحياة مقدس تجب حمايته يستوي فيه الشريف والضعيف والبالغ والصبي والأنثى والذكر: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)المائدة /32.
  1. تحديد النسل وتنظيمه:
  2. والاعتداء على هذا الحق جريمة تستوجب العقاب، (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى)البقرة/ 178 وإن كان جنينا في رحم أمه، يقول تعالى:(ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا)الإسراء/31 وللفقهاء تفصيل في المسألة، واختلفوا فيه قبل نفخ الروح.
    فتحريم القتل وإن عظم في حق الفرد،  فهو أعظم في حق الشعوب بغاية إفناء عرق أو جنس، وهذا في حق الجنس البشري عموما بغير تمييز ويتأكد في أصل خلقه، وهو القضاء على الذرية؛ لذلك حرم جمهور العلماء تحديد النسل وأباحوا تنظيمه وترشيده. يقول تعالى:(ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم)الأنعام/151.
     
  3. النفس البشرية أمانة لدى صاحبها:
  4. ما النفس البشرية إلا أمانة لدى صاحبها، لا يملكها إلا خالقها، لذلك يعتبر الانتحار جريمة شنيعة في الإسلام. والمحافظة على الحياة واجب على صاحبها يقول تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)البقرة/195
    فإذا مرض، عليه التداوي والاستشفاء، فعن أسامة بن شريك عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:(تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاء إلا داءً واحداً الهرم) أخرجه أحمد والأربعة وصححه الترمذي.
     
  5. صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان:
  6. في شريعتنا صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان .. لأن صحة الأبدان مناط للتكليف و موضوع للتدين و الإيمان، ومن هنا كانت «الضرورات الإنسانية» تبيح  المحظورات الدينية ..!
    لقد أباح الله تعالى للمضطر الذي يخشى على نفسه الهلاك أكل المحرمات وإذا خشي على نفسه شدة المرض أو تأخر البرء، رخص له في التيمم بدل الوضوء أو الغسل. ورخّص له في الإفطار في رمضان، وغيرها كثير من الرخص التي تندرج في باب "المشقة تجلب التيسير"
 

 الضرورة الثالثة حفظ العقل:

كرم الله الإنسان بالعقل ورفعه بالعلم لذلك احترمت الشريعة الإسلامية حرية الرأي والاجتهاد فأثنى القرآن العظيم على أصحاب العقول الحرة التي يعملونها فيما يعود عليهم بالنفع وحسن الفهم ويخرجهم من ظلمات الوهم:(إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار)آل عمران/ 190-191
  1. واجب التعلم: 
  2. واجب التعلم أو طلب العلم محفوظ مكفول في الإسلام بل مأمور به شرعا (اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم)  العلق/1-5
    وحث صلى الله عليه و سلم على طلب العلم فقال: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)
    بل أعلن الرسول  صلى الله عليه و سلم  عن إلزامية التعلم والتعليم بقوله:(ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يعظونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم؟! وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون ؟! والله! ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم، وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون ويتعظون أو لأعاجلنهم العقوبة في الدنيا).
    فالعقل قيمة تزيد بقدر ما يترقّي في درجات العلم، وهذا تستوي فيه الأنثى بالذكر أو المرأة بالرجل:(يرفع الله الذين آمنوا منكم درجات)المجادلة/11
    وتنقص بقدر ما تعطل بالجهل وتجمّد بالقمع والاستبداد لذلك حارب الإسلام الجهل قال تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) الإسراء/ 36
     
  3. واجب المشاركة في الحياة العامة وحق التعبير:
  4. فالمشاركة في الحياة العامة، وحق التعبير وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو في الشريعة الإسلامية ليس مجرد حق يباح لصاحبه التنازل عن ممارسته إنما هو واجب كفائي فخاطب القرآن الأمة بصيغة أمر الوجوب فقال:  (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)آل عمران/ 104 
     وأعلن أن معيار خيرية هذه الأمة هو مدى نهوضها بهذا الواجب أفرادا وجماعات(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)آل عمران/ 110
    فكل هذا من متعلقات وظائف العقل، والدور الموكول إليه كخصيصة خص بها الخالق الكريم الجنس البشري من دون سائر الخلائق: (وتلك الأمثال نضربها للناس و ما يعقلها إلا العالمون) العنكبوت/43
     
  5. واجب الشورى:
  6. من مستلزمات إعمال العقل الأخذ بالشورى والعمل بها ممارسة وتطبيقا والأساس فيها منع الاستبداد في الرأي. والإجماع منعقد على أن الشورى هي منهج السلطة الإسلامية أيا كان ميدان هذه السلطة. ففي المنابع الفكرية نجد «الشورى» هي الفلسفة المقدسة للحكم والسلوك، اجتماعيا كان أو أسريا بل و فرديا.
    وفي التاريخ نجد الفردية والاستبداد يحرمان الواقع التاريخي والإنسان الذي عاشه من ثمرات هذه الفلسفة المقدسة. بل ويصيبان الفكر الذي عبر عن هذا «الواقع التاريخي» بالفقر الشديد إذا ما كان البحث في فلسفة الحكم وضوابط السلطة والسلطان
    فالقرآن يتحدث عن الشورى كفريضة شرعية واجبة حتى على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فيقول سبحانه مخاطبا رسوله:( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين)آل عمران/ 159   واستجاب الرسول  صلى الله عليه وسلم  لأمر ربه فكان كثير الاستشارة لأصحابه في مواقع كثيرة.
    والأمر بالشورى جاء في القرآن مجملا وترك التفصيل فيه والاختيار للاجتهاد حسب ما تقتضيه المصلحة العامة وحسب اختلاف الزمان والمكان.
    وذُكرت الشورى في آية أخرى في معرض صفات المؤمنين التي يلتزمونها فقال تعالى: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) الشورى/38.
     
  7. حد الجلد إزاء حرمة العقل:
  8. وحتى تقوم الأمة بهذه الواجبات لابد لها من حفظ عقول الأفراد ليصلح المجتمع. وهذا ما ضمنته الشريعة الإسلامية بتحريمها لكل ما يذهب العقل، فيعطله عن القيام بدوره وأداء المهمة الموكولة إليه. إذ العقل مناط التكليف؛ لذلك وضعت الشريعة حد الجلد رادعا لشارب الخمر؛ ((لأن أثرها يمتد وشرَّها يتعدى نطاق شاربها وقد سماها النبي  صلى الله عليه وسلم  "أم الخبائث")).
 

الضرورة الرابعة حفظ النسل أو النسب أو العرض:

الأسرة هي نواة المجتمع، وأساسها المرأة والرجل، وتحت هذه الضرورة تتنظم العلاقة بينهما. فشرّع الله الزواج الذي به يتم الإنجاب، فتحفظ الأنساب ويصان النسل. والعلاقة بين الزوج والزوجة تقوم على المودّة والرّحمة يقول تعالى:
(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)الروم/21
والعلاقة بينهما تقوم على حسن المعاشرة واجتناب التسلط والظلم :(يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا)النساء/ 19
 
  1. المساواة بين الزوجين:
  2. ساوى القرآن بينهما في الحقوق والواجبات: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)البقرة/228 فكل منهما مكلف بدور يؤديه وهو مسؤول عنه.
    يقولصلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها)
    فمن واجبات المرأة رعاية الأولاد وإدارة البيت وشؤونه في الداخل ولها على زوجها حق الإنفاق وإن كانت ذات مال وميسورة الحال ولها أهلية مالية مستقلة.
     
  3. حدّ الزنى إزاء طهر المجتمع وعفة أفراده:  
  4. منع الإسلام التلاعب بالطلاق، والتعدد غير المحدود للزوجات الذي ما شُرِّع إلا للحفاظ على طهر المجتمع وعفة أفراده.
    إذ الإنسان الذي يعيش في مجتمع يحصنه من الفتن، ويعفه بالزواج، ويطهره من حياة الإباحية، ويضمن له في علاقاته الاجتماعية الاحترام والحياء والحشمة، تنعدم لديه الدواعي والأسباب للوقوع في جريمة الزنى.
    فالعلاقات التي خارج مؤسسة الزواج حرّمتها الشريعة وأوجبت لها حدا. 
 

الضرورة الخامسة حفظ المال:

اعتنت الشريعة الإسلامية بتنظيم الشؤون المالية في الدولة الإسلامية واعتبرته وسيلة لغايات سامية تصلح الشأن العام للمجتمع ككل، والإنسان كفرد. وضبطت طرق الحصول عليه وكيفية التصرف فيه، فجعلت العمل هو أشرف طريق من الطرق المشروعة للكسب، وهو حق للفرد وواجب على الدولة على أساس التكافل والتعاون الذي يتسم به المجتمع المسلم  قال تعالى:(وتعاونوا على البر والتقوى)المائدة/2.
 
  1. واجب العمل:
  2.  إنّ مفهوم الخلافة واستخلاف الإنسان في الأرض منوط بالعمل، يقول رب العزة:(هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور )الملك/ آية15
    والحضارات لاتبنى إلا بالعمل، فلا تقدم ولا مدنية إلا بالعمل. يقول تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)التوبة/105
    و نهى عن التذلل والتكسب بالمسألة فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تزال المسألة بالعبد حتى يلقى الله وليس في وجهه مُزْعَةُ لحم).
    ودعا صلى الله عليه وسلم إلى حفظ ماء الوجه، وطَلَبِ العزةَ بالتكسب الحلال، فقال: (لأن يأخذَ أحدُكم حبلَه، فيحتطب خيرٌ له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه)
     
  3. من طرق تملك المال الميراث:
  4. نظمت أحكام المواريث نصيب كل وارث بحسب دوره المنوط به ومهمته المكلف بها، فمثال ذلك يرث الذكر مثل حظ الأنثيين لأن للنساء على الرجال حق النفقة وإن كان لهن مالا،  فالرجل ينفق على الأم وعلى الزوجة ، وعلى الابنة، وعلى الأخت وعلى العمة، و على ابنة الأخ.. بينما المرأة ليست مطالبة بالإنفاق وإن كان على نفسها.
     
  5. واجب الزكاة:
  6. وأوجب الله تعالى حق مالي في مال الأغنياء يؤدوه للفقراء بقوله سبحانه: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم بها)التوبة/103
    وأوجب كذلك الإنفاق في سبيل الله قال تعالى: (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله)التوبة/41
    ومن سبيل الله النهوض بمصالح الوطن ويحذر من عدم الإنفاق في سبيله فيقول عز من قائل: (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)محمد/38
     
  7. إزاء حرمة المال حد السرقة:
  8. ونهى عن الوسائل غير المشروعة في كسب المال مثل الربا والرشوة والاحتكار والغش والغبن. وأوجبت الشريعة حد السرقة للسارق،  فمن يعيش في رعاية دولة توفر له العمل والمسكن والمأكل والملبس، فقد توفرت له كل وسائل الحياة الكريمة، فإن سرق فهو عضو فاسد  يجب تسليط العقوبة عليه حتى يُؤدَّب ويُردَع غيرُه.
 
 

 إقامة الحدود ليست نكاية بالبشرية:

لم يشرِّعِ الإسلامُ إقامةَ الحدود نكايةً بالبشرية، إنما شرّعها حصنا يحمي الضرورات الإنسانية الواجبة. وهذه الضرورات الخمس -التي تقدم بيانها- في النظر الإسلامي هي مقومات وجود الفرد المسلم.
 فالدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، حرمات خمس، اتفقت كل الشرائع السماوية أو القوانين الوضعية على تقديسها. وما وُضعت مواثيق حقوق الإنسان إلا لضمان حفظ هذه المقوّمات الأساسية للفرد، التي إن حُفظت تحقّق الاستقرار الاجتماعي.
فعقيدة المرء تليها نفسه، فعقله ثم عرضه، وبعدها يأتي المال، فهو قوام الحياة في بعدها المادي القائم على إشباع حاجات الجسد أولا، وإن تسامى به الإسلام فجعله -مع ذلك- أداة من أدوات تطهير الروح وتزكية النفس.
فإزاء كل مقوم من هذه المقومات حدّ يحفظه، فيقابل:
  • حرمة الدين: حد الردة.
  • وحرمة النفس: حد القتل والقصاص.
  • وحرمة العقل: حد الخمر.
  • وحرمة العرض: حد الزنى وحد القذف.
  • وحرمة المال: حد السرقة.
وهذا ما يكفل للفرد والمجتمع الأمن والطمأنينة، فينطلق الناس متحررين من المخاوف، مندفعين نحو العمل المنتج. فلا تقدم بلا استقرار، ولا استقرار بلا أمن.
وهذا ما تكفله الحدود التي هي بمثابة السور العظيم الذي يحيط بالصرح العظيم.
 

الخــــاتـمــــة:

 هذا هو هدي القرآن ونور القرآن الذي يتعين على كل من آمن به كتابا منزلا من عند الله أن يعتقد اعتقادا جازما لا مرية فيه أنه كتاب عقيدة وشريعة وأنْ يدين بذلك لله إلى يوم يلقاه: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)البقرة / 2.
كتاب لا تنفصل فيه العقيدة عن الشريعة، يَلْزَمُه من آمن به، فينهجُ نهجَه وينضبِط بضوابطه ليفوز برضا ربه،(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا)الإسراء- آية9
 
وبناء عليه فنحن نطالب بالشريعة الإسلامية مصدر أساسي وحيد للدستور التونسي لأنها:
  1. الضامن الوحيد للحياة الإنسانية الكريمة، نأمنها ونضمن نتائجها، فهي تنشئ وتربي المواطنَ الصالح المثمر.
  2. لأنها جوهرُ الدعوة إلى التقدم، والرقي الاجتماعي والحضاري.
  3. لأنها مبنية على إعمال العقل والعلم والعمل، مما يساعد على البناء، ويحمي المجتمعَ من التبعيّة، بكل أشكالها، خفية وجلية.
  4. لأنها تبني العلاقةَ الرشيدة بين المواطن والدولة، على أساس الحق والواجب فلا تستبدّ الدولةُ فتعبثُ بإنسانيّة الأفراد، ولا يتمرد الفردُ فيفسد ويعبث بمقدّرات الدولة.
  5. لأنها السبيلُ الوحيد لإنهاء الردة، وجاهلية القرن العشرين، التي روّجت لها الصّهيونيةُ باسم العِلم والعلمانية.
  6. لأنها الدليل الوحيد على انتمائنا لأمتنا، وارتباطنا بجذورنا، واعتزازنا بهويتنا.
  7. لأنها السبيلُ الوحيد لتطهير مجتمعنا من كل مظاهر الانحلال الأخلاقي والزيف الثقافي، والتّفسُّخ الحضاري.
  8. لأنها شريعةُ الإسلام؛ وتونس دينها الإسلام، والإسلام عقيدة وشريعة.
فلا يستقيمُ ولا يصحُّ في حق الإنسان المكرم بالعقل والعلم، المشرّف بانتسابه لأمة نبيه محمدٍ eأن يؤمنَ ببعضٍ ويكفرَ ببعضٍ: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء من يفعلُ ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون)البقرة - آية 85
فذاك دأب بني إسرائيل مما استوجب لهم السخط والمحنة، بعد الرضا والمنحة، وما قصص الذين من قبلنا إلا دروس وعبر لنا (لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)يوسف- آية 111.
  ومن وعى هذا واعتقده وعمل به والتزمه، فليسمعْ وعْد ربَّه وسيِّدَه، يقول رب العزة: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وَلَيُمكِّنَنَّ لهم دينَهم الذي ارتضى لهم وَلَيبدِّلنّهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)النور- آية 55
 ويقول رب العزة أيضا:(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)التحريم- آية 6
وما اجتماعنا في هذا اليوم المشهود إلا لنسدي فيه النصحَ لأنفسنا قبلا  ثم لإخواننا، وأحبابنا، وأبنائنا، وجيراننا، من بني جلدتنا الذين يهمنا أمرهم، ونحسب أنهم يهتمون لأمرنا . عسى أن يكون لنا الشرف، ببذل ما تيسر من جهدنا، في وضع لبنة في بناء صرح أمتنا، وإن لم نسهمْ بالكثير، فلعل الله يقبلُ عذرَنا، وتشفعُ لنا الأجيال القادمة من ذريتنا  بأن هذا وسعنا، قد أسسنا في حاضرنا للأمجاد التي سيعيشونها في حاضرهم، كما عاشها السلف الصالح من أجدادنا.
 هذا، فما كان في قولي منحق وصـواب وبيان، فهو توفيق من ربي العزيز المنان، وما كان فيـه من خطـأ أو سهـو أو نسيان، فمن قصوري وضعفـي وتلبيس الشيطـان.
فأستغفر الله الحقّ البَرّ، وأرجو منه العفو والسّتر، وألتمس من الشيوخ والأساتذة النصيحةَ والعذر. وأشكر كلَّ من ساهم في إنجاح هذا اليوم ممن حظر وأعد ونظّم، أشكركم جميعا على ما بذلتم من جهد، وأنفقتم من مال ووقت، فشكـر الله صنيعكـم، ونفعكم ونفع بكم، وجازاكم عن تونس وعن شعبها خير الجـزاء.
 
-والحمـد الله ربّ العالميـن-
 
 
 
الدكتورة فاطمة شِقُّوت

مؤتمر الشريعة و الدستور

20-03-2012 

بادل