استطلاعات
ما رأيك بالموقع ؟
  • ممتاز
  • عادي
  • يحتاج إلى تطوير
النتائج
الشّمائل المحمّدية بقلم فضيلة الشيخ العلاّمة محمّد الطّاهر بن عاشور

الشّمائل المحمّدية 

 

بقلم فضيلة الشيخ محمّد الطّاهر بن عاشور رحمه الله

 

لا أحْسب مُسْلما يُخيّر في أيّ الأماني أحبّ إليْه أنْ يحصل بعد تِعْدادِها ثمّ لا يكون مخْتاراً منْها أنْ يرى ذات نبيّه محمّدﷺ. وإذا كان رسُول الله قد تمنّى أنْ يرى منْ يجيء بعْده منَ المسلمين لمحبتّه أُمَّته كمَا في الموطّأ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَﷺ قال وَدَدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخَوَانَنَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ" فكيف لا تَكون شِدّة حُبّ الأمّة نَبيّها مبْعَثَ تمنّيهم أنْ يَرَوْه، فلئنْ فَاتَهم المكَان رُؤْية ذاتِه الشّريفَة فِي التعَلّق بصفاتِه سلْوى كما قال البوصيري:

 

"فتنزَّهَ في ذَاتِه ومَعانِيه  استمَاعاً أنْ عزَّ منْها اجْتلاء"

 

     ولأجْل هذا تنافَس السّلفُ الصّالحُ الّذين لمْ يُشاهدوا ذَات النَبيّﷺ أوْ لم تُعلّق تفَاصيل صِفاته المُباركَة بمخيّلاتهم لصِغر سِنّهم حينَ رأوْه، دائبين على طلَب تعرّف صِفاتِه عَسَاهم أنْ يتلمَّحُوا منْ تِلك الصِّفات ملامِح ذاتِه المبَاركَة فقدْ سَأل الحَسن والحُسين رضي الله عنْهُما خالَهَما هند ابن أبي هالة  وَكَانَ وَصَّافًا عَنْ صِفة رسُول الله وسَأل الحُسين أباه عليّا رَضي اللهُ عنْهُما ثمّ حدَّثَ بها أخَاه الحَسَن وقدْ استشْعَر منْ بَقِي من الصّحابة أهمّية جمْع صفات رسولِ الله لمن يأتي منْ أمّته فظَهر منْهم حِرْصٌ على تحْديث النَّاس بذَلك، فكانَ أبُو هريرة رضيَ اللهُ عنْه إذا رأى أحَدًا من الأعْراب أوْ أحَدًا لمْ يرَ النبىَّﷺ يقُول له "ألاَ أصِف لكَ النبيَّ ثمّ يَفِيضُ في وصْفِ شمَائِلِه"، وجَاء رجل من بني عَامر إلى أبي أُمَامة الباهليّ فَقَال لهُ يَا أبَا أُمَامة إنَّك رجُل عرَبّي، إذا وصفْتَ شيْئًا شُفِيت منْه فَصِفْ لي رَسُولَ الله كأَنّي أَرَاه فأفَاضَ أَبو أُمامَة في ذكْر شَمَائلِهﷺ، فصَارَ مثل المسْلمين في ذلك كَمثل قَوْل بَشّار:

قالُوا بمَنْ لاَ تَرَى تهْذي فقُلْتُ لَهُم***الأُذنُ كالعَيْن تُؤْتِي القَلْبَ ما كَانَا

 

     وإنَّ محبّة الذّات تقْتَضي مَحبَّة ذِكْر صِفاتِها كَمَا أنَّ محبّةَ ذِكْر الصّفَات  تقْتَضي المحبّةَ منْ صَاحبِ الصّفَات بمَا دَلّ عليْه حديثُ عائشة رضِيَ اللهُ عنْها في الصّحيحيْن "أنَّ رجُلاً كان يقْرأ لأصْحابِه فِي صَلاتِهم فيَخْتم "بـقُلْ هو الله أحد" فذَكَرُوا ذَلك للنَبيّﷺ فقال سَلُوه لأيّ شيء يصْنَع ذَلك فسَألُوه فَقَال لأنَّها صِفَة الرّحمن وأَنا أُحبّ أنْ أقْرأَ بهَا فقَال النَبيّﷺ أخْبِرُوه أنَّ اللهَ يُحبّه"، ولقَد يسَّر اللهُ للمُؤْمِنين أنْ ألْهَمهم البَحْثَ عنْ شمائل رسُولِ الله قبْل انْقِراض عصْر الصّحابَة ليبْقَى منْها أثَرٌ قَائم لمنْ يَأْتي منَ المسْلمين فيِ سَائر العُصور والأَجْيال يَردّ على قُلُوبهم رُوحا يهبّ على لهِيب أشْواقِهم إلَى ذَات نَبيّهم فانْبَرى المسْلمون في آخر عَصْر الصّحابَة إلَى تقْييد هذِه الصّفات المبَاركةَ كمَا يُنْبئ بذَلكَ وجْدَانُنا معْظم أحَاديث شَمائِلهﷺ مرويّا عن المعمّرين من الصّحابة مثل ما يروى عن أنس بن مالك وسهل بن سعد وأبي الطفيل عامر بن وائله آخر أصحاب رسول الله وفاة أو عمّن ثبتت لهم الصُحْبة بالموْلد الذيّن كان لهم بخاصّة أصحاب رسُول الله اتّصال مثل الحَسن والحُسين فيما روَيَاه عنْ أبيهما كرَّم الله وجْهه أوْ عنْ خالهما هنْد بن أبي هَالة رضي الله عنه وقد كانَ أصحاب رسول الله إذا رأوا رجُلا يُشبِه رَسُول الله اهتزّت أنفُسهم إليْه شوْقا إلى شَبيهِهِ فقدْ كان أبُو بَكر إذا رأى الحَسن بن علي رضي الله عنهُما  بعد وفَاة رسُولِ الله يَقُول" بأبي أنتَ شَبِيهٌ بالنّبي لستَ شَبِيهاً بعَلِيّ" وكان كابس2 بن ربيعة يُشْبه النَبيّ   فكان أنس بن مالك إذا رآه بكَى وبلغَ خبَره إلى الخليفة معاوية رضي الله عنه (وهو منْ أعرفِ النّاس بصِفة رَسُول اللهﷺ إذ كان صاحبُه وصِهْره وكاتب وحْيه) فأرْسَل معاوية في أنْ يُوجّه إليْه كابِس مِن البصْرة إلَى دِمشْق فلمّا دَخَل عليْه قبَّل معاوية بين عيْني كابس وأقطعه قَطيعة وكانُوا يحْصون الصّحابة الذين يُشْبهون رَسول الله في كَثير مِن شمائله ويُحْصون منْ كان يُشْبه مِن التّابِعين فمَثله كَمَثل قوْل الشيخ ابن الفارض:

 وأَبِيتُ سَهراناً أُمَثّلُ طَيفَه      للطّرْف كي ألقى خَيالَ خَيالِه

 

     ثم انْقرض عصْر الصّحابة فغفَل النّاس عنْ معْرفة من يُشبه الذِينَ يُشبِهون رَسُول الله لأنَّ المُشابهةَ في مَلامِح الذّات لا يتوَسَّمها إلاّ الذِي عرَف الذّات فتَحْصل لَه عنْد رُؤية مُشابِه الذّات لمحة منْ طلعة الذات المشبَّه بها فهُناك يتوسّم الذّات اللائِحة حتّى يَعْرف منْ أَيْن جَاء الشّبَه فَيَصِفه، وسنذْكر أسماءَ منْ أحصيناهم من هؤلاء السادة في آخر هذا المقال.

الآثار المرْويّة في الشمائل:

     إنّ أحاديثَ الشَّمائل المُحَمّديّة الراجِعة إلَى صِفَة ذَاتِه كَثِيرة تنْتهي أَسَانِيدُها إلى ثَلاثَة وعشْرين مِن الصّحابة وهُم عليّ بن أبي طالب، سعْد بن أبي وقّاص، عائشة، عبْد الله بن عمر، أنَس بن مَالك، أبُو هُريرة، جابر بن عبْد الله، البَراء بن عَازِب، جابر بن سُمرة، أبو أمامة الباهلي، جبير بن مُطعم، أبو الطفيل، هند ابن أبي هالة، عَمرو بن أخطب، سَلمان الفارسي، أبو سعيد الخدْري، عبد الله بن سرجس، أمّ هاني بنْت أبي طالب، أبو رِمثة  أمّ هِلال أو أمّ بِلال   عبد الله بن عبّاس، السَّائب بن يزيد أمّ سعيد الخُزاعيّة.

    وقد رأيْت أنْ أحْذفَ أسانيدَها وأخْتصر مَا وَرَد فِيها مِمّا به الحاجَة ويسهَل معه التوْصيف وأرتِّبه على مواضِع الجَسَد ولا أذْكر إلاّ ما فِيه صِفة ذات مِن شَأْنها أنْ تُشاهد ، وأتْرك المكرّر إلّا ما في بعْضه بيَان أوْ خِلاف بالنسْبة إلى بعض آخر مع المحافظة على الألْفاظ الواردَة في الآثار وإذا كان بعضُ ما وصَفَه به الواصِفون يفسّر البعضُ الآخر ذكَرْته بكلمة "أي" التفسيريّة بدون وضْع بين هِلالين وإذا كانَ التفسيرُ منْ كلامي ذكرْته بيْن هلاليْن.

تفصيل الشمائل:

     (عُموم الجسْم والقامة) ليس رسُول اللهﷺ بالطّويل البائن ولا بِالْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ وَهو رَبْعَةٌ (متوسّط الطول) إلى الطّول أقْرب رجُل بين الرجُلين بعيد ما بين المِنْكبين، جليلُ الكَتَد (مجمع الكتفين وهو الكاهل) جليل المُشَاش (رؤوس المناكب) ضخْم العظام: ضخْم الكَراديس (رؤوس المفاصل) فخم مُفخَّم (ليْس بنحيف ولا دقيق العِظام) ليس بالمُطَهَّم (كثيُر اللّحم) ولما كبر بدن، بادِنٌ مُتماسك (غير مُسترخي اللّحم) أجْرد سائل الأطْراف (غير قصير اليدين ولا الأصابع) إذا مَشى يتكفّأ يتقَلَّعُ كأنمّا ينْحط من صبَبٍ (مكان منْحدر) أو ينْقَلع منْ صخْر كأنمّا يمْشي في صَعد، أسْرعُ النّاس مشْية، لَوْنُهُ لَيْسَ بِالأَبْيَضِ الأمهن (الشّديد البياض) ولا بالآدم (الأسْمر) أسْمر اللّوْن إلىَ البَياض أي أبْيَض مشرب بُحمرة، أزْهرُ اللّوْن أبْيض كأَنمّا صِيغ منْ فِضّة أنور المتجرّد (ما تغطّيه الثياب).

     الرأْس: عظيمُ الهامَّة، رَجِلُ الشَّعْرِ، أي ليس بالجعْد القَطَط (الجعد الموصوف بالجعودة وهي عُسْر ارتخاء الشعر والقطط (الشديد الجعود) ولا بالسَّبْط (السبوطة ارتخاء الشَّعر بدُون التواء وقيل سَبْط الشَّعر (فالمعنى أنّه إلى السّبوطة أقْرب) عَظيم الجُمَّة كان شَعْره فوْق الوَفْرة ودون الجُمَّة"الوفرة الشعر الواصل إلى شحمة الأذنين والجُمَّة ما تدلَّى على المِنْكبين واللِمَّة بينهما" وقيل كان ذا وفْرة  أي شَعْره إلى شَحْمة أُذُنيه وقيل كان ذا لِمَّة (ولعلّها أحوال) إنْ فرَقت عقيقته (شعر الرأس) فرَقه وإلاّ ترَكه وكان يَسْدِل شعره وكان أهْلُ الكتاب يَسْدلون وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ، وَكَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ، ثم فرَق رأْسَه وربّما ظَفَره فقد دخل مكّةَ يوم الفتْح وله أربعُ ضَفائر وكان شعرُه أسودَ وفي صُدْغَيه شَيْب قليلُ شَعَرات.

     الوجه: في وجْهِه تدْوير مع اسْتِطالة قَليلة، لم يكنْ بالمُكَلْثَم (أي المدوّر الوجه) واسعُ الجبين صَلْتُ الجَبين سهْل الخدّيْن أسِيلُ الخدّين (لا نُتوءَ فيهما) ولوَجْهه بريق كأنَّ الشّمسَ تجْري في وجْهه.

     الأنف: أقْنى العِرْنين (أقنى طويل بدقّة و العِرْنين الأنْف) يَحْسبُه منْ لم يتَأَمَّلُه أشمَّ (الشَّمَمُ استواء أعلى قصَبة الأنف مع ارتفاع يسير في الأرْنَبة) يُـرى فـي أَنـْفِـهِ بَـعْـضُ احْـديدابٍ.

     العينان: أكْحَلُ العَينَيْنِ أدْعَجَهُما شديدُ سوادِهما وقال جابر بْنُ سَمُرة "إذا نظرْتُ إليْه قلْتُ أكْحل العيْنين وليْس بأكْحل أشْكل" (الشكْل حـُمرة في بيَاض العيْن) مُشرب العينين حمرة وقيل أحْور (شديدُ بياض أبيْض العيْنَين) ، أفخد (طَوِيلُ شَقِّ الْعَيْنِين) أهْدب الأشْفار (طويلها) في أشفاره وَطَفٌ (كثرْة شعر) نَظره إلى الأرْض أطْول منْ نظَره إلى السّماء (إلى فوْق) جُلّ نَظَره الملاحَظة (حافِظا نَظره).

     الحاجبان: أزَجُّ الحواجب (دقيقهما مع تقوُّس)) سَوَابِغ في غَيْرِ قَرْنٍ، وقيل مَقْرون الحاجبين (أي يَقربان من القرَن) بين حاجبيه عِرْقٌ يُدِرُّهُ الغضبُ. 

الفمُ: ضَلِيعُ الفَمِ (واسعه)، حَسَنُه، مُفلَّجُ الأسنان إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاه. ضَحِكه تبسُّم وربمّا ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ".

     الأُذنان: تامّ الأُذُنين.

     اللِّحْية والشّارب: كَثُّ اللِّحْية (كثيِرة الشّعر) قدْ ملأَتْ نحره، سوْداءُ اللّوْن فيها شَيْب شعَرات في مُقدّمها من تحت الشَّفَة السُفْلى وكان يقُصّ شاربَه (من جهة الشَّفَة).

العُنُق: في عُنُقه سَطَع (بالتحريك ارتفاع)، كَأَنَّ عُنُقَهُ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ إِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا.

     الصّدر والبطْن: سواء البطْن والصّدْر  مَوْصُول مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالسُّرَّةِ بِشَعْرٍ يَجْرِي كَالْخَطِّ أشْعَر أَعَالي الصّدْر ليْس في بطْنه وصدْره شعْر غير ذلك ،دقيقُ المسرُبة (بضمّ الرّاء الشّعر الذّي يكُون منَ النحْر إلى السُرَّة) عاري الثدييْن والَبطن (مِن الشّعر) أجْرَد بطنه أبْيض كالقَراطيس المُثْنية بعضِهما عَلى بعض.

     اليَدان: أشعرُ الذِّراعين والمنْكِبين طويلُ الزِّندينِ عَبْلُ العَضدين (أي ضَخْمُهُما) شَثْنُ الْكَفَّيْنِ (غَليظ فخَم) رَحْبُ الرَّاحَةِ ضَخْم الكَرَاديس (رُؤُوس العِظام) سَائل الأطْراف ليّنُ الكفّين كالحَرير ورُوي أنّ سبّابَتيْه أطْول من الوُسْطَييْن وهو غَلط وإنّما ذكر ذلك في سبّابتي رجليْه كما سيْأتي.

     الظَهْر: بين كتِفيْه في ظهْره خاتم النُّبوّة وهْو غُدَّة أيْ بَضْعة ناشِزة حمراء مثل زِرّ الحَجَلَة (الزرّ بزاي مكسورة،ثم راء) :قِطْعة منْ ثوْب تُحشى بصوف أو نحوه وتُخاط فتكُون كشكْل البيْضة يشدّ بها شقّة أثواب الحَجَلة (بفتحتين) وهي البيْت كالقٌبّة بأنْ يُدْخل الزِّرَّ في عروة تُقابله فتقع الشُّقة على الشُّقة).

     الرِجْلان: شَثْن القدميْن خُمْصان الأخمصين (ضامر وسَط القدَميْن) مَسِيحُ الْقَدَمَين أمْلَسُهُمَا لا نُتوءَ فيهما ولا شُقوقَ) قَليلُ لَحْم العَقِبِ رَحْبُ القدمين أي ضَخْمهما وكان في ساقيْه خُمُوشَة (أي دقّة) ولسَاقيْه بَريق ورَوى أحمد بنُ حنْبل و البيْهقي حديثَ "أنَّ سبَّابتي ساقيْه أطْول منَ الوُسْطيين" لكن في سنده سلمة بن حفص السَّعدي كان يَضع الحديثَ، والصّحيح أنَّ ذلك لا أصْل له وأنّ خلْقَ  أعضاء رَسُول الله على أحْسن خِلقةﷺ.

من يُشْبِه رَسُول اللهﷺ ؟

     كان بعضُ الصّحابة وبعض التّابعين يُشْبه رسولَ اللهﷺ ولم يعد من بعد التّابعين أحدٌ يشبهُه وسَبَب ذلك أنَّ أصحابَ رسول اللهﷺ الذين كانُوا يروْن شَبَهَه في بعض الذّوات قد انْقرضوا في عَصر التَّابعين فلم يبْق مَنْ تَلُوح له مَلامح ذاتِ رسولِ اللهﷺ في بعض الذين يُشْبهُونه لأنَّ الشَّبَهَ يحْصُل منْ مجموع صِفات لا يتفطَّن لها إلاّ من يعْرِف المُشبَّه به الموصُوف بها، وقد صحَّ عنْ رَسُول اللهﷺ أنَّه قَال "إنَّ إبْراهِيم الخَليل عليْه السّلام هُو شَبيهُه منَ الأنْبيَاء المتَقَدّمين".

     وَأمّا الذّين يُشْبِهون رسُولَ الله منْ أُمَّته فتِسْعة عَشر أوْ عِشْرون و هُم : ابنتُه فاطِمَة وابنُه إبْراهيم وجعْفر بن أَبي طَالب قَال لَهُ رسُول الله "أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي" وأبو سفيان ابن الحارث بنُ عبْد المطلّب أخُو رَسُول الله مِنَ الرّضَاعة وعُثْمانُ بنُ عفّان و قُثّم بنُ العَبَّاس والحسن بنُ عليّ يُشبه رَسُولَ الله في نصْفه الأعْلى وكانَ أبو بَكر يُلاطِفه وَهو صَغير يَقُول لَه: " بِأَبِي، شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ لَا شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ" والحُسين يُشْبهه في نصْفه الأسْفل، وعبْدُ الله بن جعفر بن أبي طَالب، عوْنُ بن جعْفر بن أَبي طَالب، محمّدُ بن عَقيل ابْن أَبي طَالب، مُسلمُ بن عقيل بن أَبي طَالب، عَبْدُ اللَّه بْن الْحَارِث بْن نَوْفَل  الْمُلَقَّب بِبَـة، مُسْلمُ بن مُتْعب ابن أبي لهب، عـُجيُر بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلّب، كابسُ بن ربيعة، السائب بن عبيد، عبدُ الله بن عامر بن كريز العبْشمي، عبدُ الله بن أبي طَلْحة الخولاني ، وكان كفُّ عليّ بن أبي طالب يُشبّه بكفِّ رَسُولﷺ، فَهَؤلاء الذين بلَغ بهم استقْرائي لمنْ ذُكر أنّه يُشْبه رَسُولَ اللهﷺ وأنَّ مشَابهتَهم إيّاه مُتفاوِتة وكلّها لا تبْلغ تمام شَبَهه وهذا معْنى قَوْل عليّ رضي اللهُ عنْه في حديث صِفَته، يَقُولُ نَاعِتُهُ "لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مِثْلَهُﷺ" وعليْه يحمل قوْل البُوصيْري رحمه الله:

 مُنَـزَّهٌ عـن شـريكٍ في محاسِــنِهِ   فجَـوهَرُ الحُسـنِ فيه غيرُ منْقَسِـم

مقال للشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله بالمجلة الزيتونة

 
بادل