استطلاعات
ما رأيك بالموقع ؟
  • ممتاز
  • عادي
  • يحتاج إلى تطوير
النتائج
نسب الرسول عليه السلام ومناسبته لعلي ذلك المقام

 

نسب الرسول عليه السلام

ومناسبته لعلي ذلك المقام

بقلم صاحب الفضيلة الاستاذ الكبير الشيخ سيدي محمد الطاهر ابن عاشور شيخ الاسلام المالكي

 

رسول الله صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن حكيم)ويلقب بكلاب( بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

وينتهي نسب عدنان إلى اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام باتفاق علماء الأنساب في الإسلام والجاهلية وبالتواتر عند العرب وغيرهم من الامم السامية. وبنصوص القرآن والسنة قال الله تعالى مخاطبا أهل مكة "ملة أبيكم ابراهيم" وقال حكاية عن ابراهيم "ربنا اني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم" إلى قوله: "ربنا وابعث فيهم رسولا منهم" وقد ثبت في السنة أن النبي عليه السلام انتسب )أي ذكر ءاباءه) فبلغ مرة الى كنانة ولم يزد وبغ مرة الى عدنان ولم يزد وزاد مرة فذكر عدنان بن أدد ثم أمسك وروى عنه ابن عباس أنه لما بلغ عدنان قال كذب النسابون مرتين أو ثلاثا أي عند العارفين بالانساب بمن فوق عدنان بمن فوق أدد قال السهيلي والأصح أن قوله كذب النسابون من كلام عبد الله بن مسعود وأن عمر بن الخطاب أيضا قال انما تنتسب إلى عدنان وفوق ذلك لا ندري ما هو اهـ

وأم رسول الله هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن حكيم فزهرة أخو قصي وهي تلتقي مع رسول الله في حكيم هذا العقد النفيس ما انتظم في سمطيه الا جوهر لم يشنه وكت ولم تنخره ادحة فكانت كل فرائده في الأجيال نيرة واضحة، وما هو الا نسب شريف لعنصر، وكفاه برهانا أن يسمع واع ويرى مبصر، وأن الله تعالى كما قدر لمحمد أن يكون أفضل رسله، وأن يكون مبعوثا بما يوصل إليه من أقوم سبله، كذلك قدر له اكمال الفضائل في ذاته وما يحف به، وجعل أول مظهر لذلك أن قدر له طهارة نسبه، حتى لا توضع تلك الجوهرة الفذة في غير صدف أمثالها ولا تزن بنقيصة تتطرق اليها أو مئالها، فاذا نحن غصنا في بحر الأنساب روم استخراجها، ملئت نفوسنا عجبا من صفائها وابتهاجها، فمثلنا حينئذ كمثل قوله:

أو درة صدفية غواصها    بهج متى يرها يهل ويسجد

شرف هذا النسب:

ان شرف العنصر والنسب معدود في الفضائل الذاتية ولكن عده في الفضائل من حيث هو كاف في تحصيل فضائل الذات اذ قد يخلف للفرع مخيلة الأصل، وينبت في منابت النخيل شجر الأثل وانما يعد فضيلة من حيث هو وسيلة الى نماء الفضائل في النفس المطبوعة على الفضيلة، وقدوة للخلف يأتسون بهاء اثار أسلافهم في مرتقى الكمال فيحصل من ذلك كمالان كمال الذات وكمال القدوة، ومن حيث هو قاكع لألسنة الحاسدين الذين يحسدون أهل الطكمال على كمالهم، والمعاندين لكل من يدعوهم الى خلع ذميم أعمالهم فاذا لم يجدوا مغمزا فيمن حسدوه وعاندوه التمسوا له ما يحف به من العوارض ولا شيئ يحف بالمرء أشد من حال ءابائه فمن أجل ذلك شرف الله قدر نبيه بأن قدر له في الأزل، ءاباء كانول في مرتبة السؤدد وأجلّ، وقد قال الله تعالى: لقد منّ الله على المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم وقال لقد جاءكم رسول من أنفسكم قرئ في الآيتين بضم الفاء في لفظ أنفس على انه جمع نفس فيكون معناه من نسبهم لأن لفظ النفس متعين في هذا المقام لهذا المعنى ويفهم منه أن المقصود به نسب خاص وهو النسب الرفيع أي من خير أنسابهم بقرينة مقتم المدح والمن. وقرئ بفتح الفاء من أنفس بأنه اسم تفضيل مشتق من النفاسة أي من أشرفهم والمراد شرف النسب روي عن علي بن أبي طالب ياثره الى رسول الله أنه قال من أنفسكم نسبا وصهرا وفي صحيح البخاري عن أبي سفيان في حديث هرقل أنه كان من كلامه مع أبي سفيان أن قال له: "وسأتك عن نسبه (يعني النبي صلى الله عليه وسلم) فذكرت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في أنساب قومها"

أن شرف النسب يتقوم من شرف القوم وشرف العشيرة ومن نزاهة سلسلة الآباء والأمهات عن أن يلتصق بهما ما يلثم ذلك الشرف، ويعود نقصه بغضاضة في شرف الخلف.

فأما شرف القوم وشرف العشيرة فحاصل في شرف العرب من بين الأمم وفي شرف قريش وفي شرف بني هاشم ولست الآن بصدد تفصيل الكلام فيهما لأن ذلك طول وأقتنع هنا بما رواه مسلم في صحيحه والترمذي عن واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله اصطفى من ولد ابراهيم اسماعيل واصطفى من ولد اسماعيل كنانة واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم

وأما نزاهة سلسلة الآباء والأمهات فنزاهة سلالة الآباء هي السؤدد ونزاهة الأمهات هي الصيانة فأما سؤدد ءابائه صلى الله عليه وسلم فأولهم ابراهيم رسول الله ثم ابنه اسماعيل رسول ابن رسول وهو أفضل أولاد ابراهيم على الصحيح ثم ان جميع ءاباء رسول الله الذين حفظت أسماؤهم الى عدنان كانوا أفضل أجيالهم في أقوامهم ومجمع مكارهم مرموقين بعين الوقار والتعظيم، فأبوه عبد الله فضله الله بمنقبة نذر عبد المطلب أبيه أن يذبحه قربانا لله شكرا على أن جعله عاشر عشرة ذكور من أبنائه وألهم الله قريشا فأشاروا عليه بفدائه بمائة من البل فكان ذلك الهاما الاهيا ليكون آخر آباء رسول الله في ذرية ابراهيم ذبيحا مفدى كما كان أولهم من تلك الذرية ذبيحا مفدى ولذلك وصف رسول الله بابن البيحين. وأبوه عبد المطلب كان أفضل قريش وسيد أهل البطحاء ومظهر بئر زمزم كما ظهرت لاسماعيل. وأبوه هاشم واسمه عمرو كان سيد قريش ومطعم الناس في المجاعة قال عبد الله ابن جدعان:

عمرو العلا هشم الثريد لقومه    قوم بمكة مسنين عجاف

وأبوه عبد مناف كانت قريش تلقبه قمر البطحاء. وأبوه قصي هو سيد قريش ومعيد مجدهم وجامع شتاتهم وهو الذي استرد ولاية الكعبة من خزاعة. ولم يحفظ لنا التاريخ ما كان من السيادة لحكيم ومرة على قومهما. وكعب كان من أعظم سادة قريش والعرب قاطبة وهو أول من سمى يوم العروبة بالجمعة لأنه يجمع فيه قريشا ويخطبهم وقد أرخت قريش بعام موته ولم يحفظ لنا التاريخ مما كان من مجد لؤي وغالب وفهر الملقب بقريش لأنه كان يقرش عن خلة المحتاج فيسدها بماله. ومالك والنظر طوي مجدهما في منسي التاريخ. وكنانة كان عظيم القدر أعز من دفعت اليه المطي. وخزيمة لم يحظ التاريخ بذكر مجده. ومدركة كان في وجهه نور فكانوا يعلمون به أنه يؤذن بنبي يخرج من نسله والياس أول من أهدى البدن الى الكعبة وهو الذي ظفر بالحجر الذي عليه ابراهيم لبنار الكعبة وهو المسمى بمقام ابراهيم. وأبوه مضر كان أفضل قومه وقد روي أن رسول الله قال لا تسبوا مضر فانه كان قد أسلم. وأبوه نزار كان في وجهه نور وكان واضع الكتابة العربية في أحد الأقوال. وأبوه معد كان قائد قومه وكان يحارب بني اسرائيل يدفع غاراتهم عن بلاد العربي. وأبوه عدنان كان أشرف العرب وكان بختنصر لما غزا بلاد العرب وغزا ارشميل حمل معه عدنان ومعه النبيئ ارميليا الى بابل. وبين عدنان واسماعيل أربعون أبا أو سبعة وثلاثون اسدلت العصور على مجدهم ستور القدم فحجبت عنا مجدا يملا ذكره السمع والفم.

وهل ينبت الخطي الا وشيحه   وتنبت الا في منابتها النخل

طهارة هذا النسب هي خلوصه من الشكوك والامشاج وهذا النسب النبوي قد كان أباؤه في شرف محتدهم وحسن سمعتهم ورءاستهم لأفض مكان في بلاد العرب وفي العالم أجمع وهو بيت ابراهيم وتسلسلهم من ابراهيم ما كانوا ليجعلوا اقترانهم بالنساء الا على طريقة العقد المسمى بالنكاح الذي تتقوم حقيقته من وصفين وهما الاختصاص والشهرة الذين هما أوثق ضمان لصحة النسب فالاختصاص هو حقيقة النكاح أي أن تختص المرأة بالرجل لا يقربها غيره ما دامت في عصمته لم تنفصل عنه بطلاق أو موت وبذلك الاختصاص لا يتطرق الاحتمال في الأبوة والبنوة. والشهرة أن يخطب الرجل المرأة بواسطة أوليائها أو ذوي قرابتها من رجال قبيلتها فترضى ويرضون ويدفع اليها صداقا وتزف اليه علنا بذلك يسلم النسب من الخفاء والادعاء قال محمد بن السايب الكلبي النسابة: "كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم فما وجدت فيها سفاحا ولا شيئا مما كانت عليه الجاهلية غير النكاح"

فتنزيه الله نسب رسوله من ذلك ليس لكون تلك العقود محرمة اذ لم يكن يومئذ شرع يميز الحلال من الحرام ولكن لأن ما عدا النكاح يعتريه الشك في صحة النسب المتولد منه

زكاء هذا النسب

أردت بزكاء النسب سلامة السادة آباء رسول الله من وصمة الخزي يوم عرض الأمم وحسابها وهذا فضيلة دينية ليس اليها كبير التفات في شرف الابن لأن النقائص الجثمانية اذا اعترت الأصول كان من شأنها أن تجر للفرع نقصا يتطرق خلقته لأن الفرع سلالة من الأصل أو يتطرق عرضه أو رمق عيون القوم اياه اذا كانت نقائص الأصول مما يذم به الأصل في عرف البشر أو عرف القبيلة كعدم الحصانة في الأمهات وخسة الفعال في الآباء كما أشرنا اليه آنفا . وأما الأغلاط الاعتقادية والعلمية فهي أشياء تتعلق بالتفكير وهو حركة النفس في المعقولات وتلك من الانفعالات النفسية المتجددة والمتغيرة وليست من أصل الخلقة ألا ترى انها تقبل الايجاد والاضمحلال والزيادة والنقصان بحسب البيئة والتعليم وحسن التلقي وصحة العلوم والانكباب على التمحيص وبحسب أضداد تلك فربما صدئت عقول نابهة ذكية بسبب الأعراض عن استعمال ذكائها وربما ثقفت عقول بطيئة بقوة الكد والانكباب فعلمنا من ذلك أن الأعراض الفكرية لا ينجر مفعولها من الأصل الى فرعه ولا يثبت حكمها الا لصاحبها خاصة. فالنظر الى الحالة الاعتقادية في أزمان الجاهلية ان كان من توقع تطرق النبز للمتصف بها فأهل الجاهلية كانوا يعدون الذين اعتقدوا اعتقادهم من كمل ساداتهم فلا يتوقع منهم أن ينبزوا الرسول عليه السلام بتقدير كون بعض آبائه كانوا يعتقدون اعتقاد الجاهلية. وان كان من جانب توقع غض نظر المسلمين فالمسلمون قد تقرر في قلوبهم من جلالة قدر الرسول عليه السلام وفضله ما لا يخالجهم معه خاطر من خواطر التنقيص

وأما من جانب الحقائق فتنقيص المرء لأحوال أصوله تنقيص وهمي اذ الحقيقة لا تسمح بأن يوصف أحد الا بما فيه والأمور الوهمية انما تظهر آثارها في العالم الدنيوي وأما العالم الأخروي فهو عالم الحقائق فلا ينتقص المرء فيه بالاحوال الاضافية المنجرة من غيره "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" فالزكاء الأخروي لا يؤثر وجوده ولا عدمه شرفا في الدنيا والآخرة قبل مجيئ الشريعة اذ التدين بدين باطل أو بالكفر والشرك لا ينافي كرم العنصر ولا شعار السؤدد من سادة وكرام وقادة أمم كانوا في العرب وغيرهم بلغوا من شرف المحتد وكرتقى السؤدد مبلغا بعيدا ولم يكونوا متقلدين دينا صحبحا وكم من صالحي قوم وطلاب نجاة كانوا ضعفاء لا يؤبه بهم وقد قال قوم شعيب له " لولا رهطك لرجمناك وما انت علينا بعزيز" وكان حاتم الطائي وهرم بن سنان وعبد الله بن جدعان من أكبر سادة العرب من المشركين وفي الحديث" الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام" فلو كان آباء رسول الله أو بعضهم على دين العرب في الجاهلية كما كان ءاباء أفاضل المسلمين من الصحابة لما كان ذلك مخلا بما يثبت لهم من كرم العنصر وشرف السؤدد ولا منتقصا قدر الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن عظم قدر الرسول وكرامته على ربه زوت له من عند ربه الكريم جميع ما به التفاضل والاعتبار فضم الى كرم عنصره في الدنيا شرف آبائه في الآخرة

والشرف الأخروي يتقوم بالنجاة من العذاب وبرفع الدرجات في دار الثواب ولعلماء الاسلام في تحقيق مقام آبائه صلى الله عليه وسلم من هذا الشرف أقوال فكأن جماعة قليلة نظرت الى ما يقتضي أن هذا الشرف لا ينتفع به صاحبه وليس هو كالشرف في الدنيا يعد عدمه أو الضعف فيه نقصا بين أهلها فمن أجل ذلك لم يغوصوا بالنظر واتبعوا أدلة فقالوا أن آباء رسول الله الذين كانوا على دين قومهم غير ناجين يوم القيامة وهذا قول من يرى أن الإيمان بالله ووحدانيته واجب بالعقل لا بالشرع وهو وقل جمهور الماتريدية وكافة المعتزلة ورأوا أن شأن العرب كلهم في تلك العصور هو الشرك وأن احاديث كثيرة دلت على عقوبة مشركي العرب على شركهم في الآخرة وأن رسول الله قال لأعرابي ساله عن أبيه قال في النار وأنا أجيب عن هذا بانا لو سلمنا أن الايمان واجب على الناس بدلالة العقل فمن أنبأنا بأن أبوي رسول الله وءابائه كانوا على دين قومهم ولم يكونون ممن رفض عبادة الأصنام  وتوخى الحنيفية ما استطاع وأنهم لم يكونوا يتظاهرون بذلك اذ لا موجب للتظاهر به اذ لم تكن لهم قدرة على تقزيم دين قومهم ولا شريعة توجب عليهم تغيير المنكر وربما كان التظاهر يوجب نفور قومهم منهم فيضيع بذلك كثير من مساعيهم لخير قومهم وعمارة معبتهم وليس وجود أحد في امة تدين بالشرك يقتضي أن يكون الموجود بينهم هو على ملتهم واما الحديث الذي رواه مسلم عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن أعرابيا سأل رسول الله عن أبيه فقال له في النار فقال له وأين أبوك يا رسول الله قال في النار فقد أجاب عنه العلماء بوجوه أحسنها أن الراوي وهو حماد بن سلمة رواه بالمعنى فغلط فيه لأنه قد رواه معمر بن ثابت عن أنس أنه قال له أين أبوك يا رسول الله قال له رسول الله حيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار قالوا ومعمر اثبت من حماد فان حمادًا تكلم في حفظه وله أحاديث منكرة ولذلك لم يخرج له البخاري في الصحيح شيئا وكذلك روى الحديث ابن ماجة عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه بمثل ما رواه معمر عن ثابت عن أنس فيكون جواب رسول الله جرى على الأسلوب الحكيم على خلاف مقتضى الظاهر فلا علاقة له بالمسئول عنه فظنه حماد جاريا على مقتضى الظاهر ولم ير له وجه اتصال بالسؤال الا أن يكون معنى افادة الحكم الخاص بوجه العموم فعبر عنه بما اقتضى أنه اخبار بأن المسئول عنه في النار واعلم أن الحال الذي اقتضى اخراج جواب رسول الله على طريقة الأسلوب الحكيم وعدوله عن صريح الجواب

أنه رأى في جواب سؤاله ما يوجب انكساء نفسه لأن الذي يصيبه ما يكره أن يشتد عليه اذا كان غيره ممن يظن قد شاركه في المصيبة سالما من تلك المصيبة، وقيل في الجواب أن السائل عنى بقوله أين أبوك أبا طالب فاه الذي يعرفه الناس وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينسب اليه لأنه كافله ألا ترى أن قريشا قالوا لأبي طالب "قل لابنك يرجع عن شتم آبائنا" وقالوا له حين كتبوا صحيفة القطيعة"أسلم الينا ابنك ونحن نعوضك عنه بأحد أبنائنا" وذهب جماعة الى أن الحديث منسوخ بما دل على عدم مؤاخذة أهل الفترة وهو بعيد لأن النسخ لا يدخل الاخبار والرسول على مقتضى تلك الرواية أخبر بأن المسئول عنه في النار فكيف ينسخ ما أخبر به فلا يستقيم هذا الجواب الاّ بتكلف. فأما جمهور علماء الأمة ونحن في زمرتهم فقد أثبتوا لأبوي رسول الله وآبائه الشرف الأخروي ولهم في ذلك ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى أنه شرف النجاة من خزي يوم القيامة بأن يكونوا ناجين من عذاب النار وذلك بأنهم كانوا على دين قومهم أو بعضه ولكنهم غير مؤاخذين على ذلك لأنهم لم يأتهم رسول بشرع فيكفروا به حتى يحق عليهم عذاب الكافرين بالرسل لأن الله تعالى يقول وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا والمراد بالرسول هو معناه المعروف في اللغة ومن تأول بما يشمل دلالة العقل فقد خرج عن مهيع اللغة على أن يصادمه قوله نبعث اا العقل لا يبعث ومما نوقن به أن آباء رسول الله وأمهاته كانوا كلهم أهل فترة اذ لم يقم في العرب العدنانية رسول بعد اسماعيل عليه السلام فان الرسل الذين جاءوا من بعده في العرب هم هود وصالح أرسلا الى عاد وثمود من العرب القحطانيين وشعيب أرسل لأهل الرس وهم بقية من ثمود وخالد بن سنان العبسي أرسل الى عبس خاصة من العدنانيين وقيل هو نبي وليس برسول فمن كان يعد من آباء رسول الله بعد الذين أدركوا اسماعيل فهم أهل فترة وقد قال جمهور علماء السنة والأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد والأشاعرة كلهم وأهل بخارى من الماتردية أن أهل الفترة غير مؤاخذين على الجهل بالله وبوحدانيته لقوله تعالى" ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" وردوا أو تأولوا جميع الآثار الدالة على خلاف هذا الأصل وقال المالكية أنها أخبار آحاد لا تعارض قواطع الاعتقاد واذا بطل استحقاق العذاب لم يتحقق الوعد في شأنهم فقيل أنهم غير معذبين ولا مثابين وهو ظاهر كلام المحدثين ثم يقع امتحانهم فيدخلون الجنة وقيل يدخلون الجنة دون امتحان وهو منسوب لأهل الأصول من الأشاعرة وللشافعي في الام. المرتبة الثانية أن شرفهم الاخروي شرف الثواب على الإيمان بالله الواحد على حكم ما ثبت لمن خلع الشرك من أهل الفترة مثل أمية بن أبي الصلت وزيد بن عمرو بن نفيل فاذا كانوا كذلك ثبتت لهم النجاة والثواب على قول جميع علماء الاسلام وبهذا قال الامام فخر الدين الرازي وجماعة من العلماء منهم جلال الدين السيوطي والقسطلاني وهو قول الشيعة. وأنا استروح لهذا الدليل من قوله تعالى" واذا قال ابراهيم لأبيه وقومه انني براء مما تعبدون الا الذي فطرني سيهديني وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين" فاثبت أن كلمة التوحيد بقيت في عقب ابراهيم أي لم تنقطع فلم تزل يحفظها حافظ من عقبه وقوله لعلهم يرجعون أي رجاء أن يرجع من لا يعلمها الى من يعلمها فلا ينقطع ذلك عن عقب ابراهيم. والاشارة والضمير عائدان الى العرب بقرينة السياق وبقرينة قوله" ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وأنا به كافرون وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" وهذه كلها مقالة العرب وآباء العرب يشمل جميع آباء جميعهم ما عدا آباء رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه غير داخل في الاشارة ومعنى تمتيعهم وآبائهم تمتيعهم بكف العذاب عنهم في الدنيا وفي الآخرة عمن أشركوا في مدة الفترة حتى جاءهم محمد فحقت يومئذ مؤاخذتهم فيؤخذ من عرض هذا الكلام وفحواه أن آباء محمد صلى الله عليه وسلم من العقب الاذين بقيت فيهم كلمة التوحيد فكانوا مؤمنين في مدة الفترة ولم يكونوا ممتعين ولا يقال لعل الذين بقيت فيهم كلمة التوحيد هم بنو اسرائيل لأنا نقول: هذا القول ينافي سياق توبيخ العرب والتعريض بهم والتعليل. وهذا الدليل أحسن وأقرب من احتجاج بعض العلماء بقوله تعالى:"وتقلبك في الساجدين" على احد تفسيرين وهو تفسير بعيد ولا حاجة الى بيان ذلك فراجعه. ويعضد هذا المسلك في هذه المرتبة ما ورد من الآثار المتظافرة التي يقوي بعضها بعضا بأن عبد المطلب وهاشما وعبد مناف وقصيا وكعبا وكنانة وخزيمة ومدركة والياس ومضرا وعدنان كانوا مؤمنين على دين ابراهيم وأن عبد المطلب وقصيا حرما الخمر على أنفسهما وأوصى قصي أبناءه بترك شربها وترك عبادة ما سوى الله تعالى فهؤلاء ثبت فيهم آثار رواها السهيلي وغيره والمسكوت عنهم من سلسلة الآباء لا يظن بهم الا أنهم كانوا على دين ابراهيم لا سيما من تجاوز عدنان فان أقربهم الى اسماعيل وابراهيم يقوي الظن بايمانهم بدين أبويهم

المرتبة الثالثة أنيكون شرفهم في الآخرة بنيل فضيلة صالحي المسلمين من أتباع هذا الدين المحمدي. وهذه المرتبة لم يدل عليها دليل من صحاح الآثار وانما روي فيها حديث عن عائشة رضي الله عنها خاص بأن احيى لرسول الله أبويه حتى آمنا به رواه الخطيب البغدادي والسهيلي وابن عساكر والقرطبي وابن شاهين وابن المنير والطبري وابن كثير واتفق معظمهم على أن سنده ضعيف في مجاهيل ومال الى تصحيحه ووقع للبعض في هذا المقام تخليط وخروج عن دائرة مجاري البحث. ونحن على ما عهدنا عليه من ترك التكلف وصون العلم عن التحريف ويقيننا بأن الله أغنى أهل هذا الدين بصحيحه عن الضعيف مقول الحق أن هذا الحديث ضعيف وأن نوال أبوي رسول الله فضيلة الايمان لا تكون رهنا على حالة أبويه الأقربين بحيث اذا صح الحديث حقت واذا ضعف بطلت فانا اذا جزمنا بأنهم كانوا على بقية من ملة ابراهيم كان ذلك محصلا لاستحقاقهما الثواب بفضل الله تعالى وثبتت لهم فضيلة قل أن شاركهم فيها مشارك واذا انفتح باب الفضل لم يبق الا رفع الدرجات فلله الاختيار في اكرامهم بأحسن ما يكرم به صالحوا المؤمنين فاذا كان الله قد أكرم من نصر رسول الله وأيده وهو أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم أفلا يكرم من كان سببا في ظهور رسوله وهو آباؤه وأمهاته فان كل الأسباب الخاصة بالرسول مظاهر لعناية الله تعالى به وكلها من عند الله وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى ولقد قال تعالى لرسوله " ولسوف يطيك ربك فترضى"
 
 
بادل